ابن كثير
39
السيرة النبوية
وأرادوا أن يصلى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد . فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه ، وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك ، فلما رجع منها فنزل بذى أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى : " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " الآية . أما قوله " ضرارا " فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء ، " وكفرا " بالله لا للايمان به ، " وتفريقا " للجماعة عن مسجد قباء . " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله ، وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأبى عليه ، ذهب إلى مكة فاستنفرهم ، فجاءوا عام أحد ، فكان من أمرهم ما قدمناه ، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب ، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين . فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة ، وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبي عامر الراهب ، ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين . ولهذا قال تعالى : " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " . ثم قال : " وليحلفن " أي الذين بنوه " إن أردنا إلا الحسنى " أي إنما أردنا ببنيانه الخير . قال الله تعالى : " والله يشهد إنهم لكاذبون " . ثم قال الله تعالى لرسوله : " لا تقم فيه أبدا " فنهاه عن القيام فيه ، لئلا يقرر أمره ،